أحمد بن محمد المقري التلمساني

334

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

يردي ويصرع ، وكم تقدم في الدهر منتز شذ عن الطاعة ، وخرج عن الجماعة ، ومخالف على الدول ، في العصور الأول ، بهرج الحقّ زائفه ، ورجمت شهب الأسنة طائفه ، وأخذت عليه الضيقة وهاده وتنائفه « 1 » ، فتقلص ظله ، ونبا به عن الحق محله ، وكما قال يذهب الباطل وأهله ، لا سيما وسعادة ملككم قد وطأت المسالك ومهّدتها ، وقهرت الأعداء وتعبدتها ، وأطفأت جداول سيوفكم النار التي أوقدتها ، وكأن بالأمور إذا أعملتم فيها رأيكم السديد وقد عادت إلى خير أحوالها ، والبلاد بيمن تدبيركم قد شفى ما ظهر من اعتلالها ، وعلى كل حال فإنما نحن إلى تكميل « 2 » مرضاتكم مبادرون ، وفي أغراضكم الدينية واردون وصادون ، ولإشاراتكم التي تتضمن الخير والخيرة منتظرون ، عندنا من ذلك عقائد لا يحتمل نصّها التأويل ، ولا يقبل صحيحها التعليل ، فلتكن أبوّتكم من ذلك على أوضح سبيل ، فشمس النهار لا تحتاج إلى دليل ، واللّه تعالى يسنّي لكم عوائد الصنع الجميل ، حتى لا يدع عزمكم مغصوبا إلا رده ، ولا ثلما في ثغر الدين إلا سدّه ، ولا هدفا متعاصيا إلا هدّه ، ولا عرقا من الخلاف إلا حده « 3 » ، وهو سبحانه يبقى ملككم ويصل سعده ، ويعلي أمره ويحرس مجده ، والسلام الكريم يخصكم ورحمة اللّه وبركاته . انتهى . [ ومن إنشاء لسان الدين من جملة رسالة على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب الرعايا ] ومن إنشائه رحمه اللّه تعالى من جملة رسالة على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب الرعايا ، ما نص محل الحاجة منه : وإلى هذا فقد علمتم ما كانت الحال آلت إليه من ضيقة البلاد والعباد بهذا الطاغية الذي جرى في ميدان الأمل جري الجموح « 4 » ، ودارت عليه خمرة النخوة والخيلاء مع الغبوق والصّبوح ، حتى طمح بسكر اغتراره ، ومحّص المسلمون على يده بالوقائع التي تجاوز منتهى مقداره ، وتوجهت إلى استئصال الكلمة مطامح « 5 » أفكاره ، ووثق بأنه يطفئ نور اللّه بناره ، ونازل جبل الفتح فشد مخنّق حصاره ، وأدار أشياعه في البر والبحر دور السوار على أسواره ، وانتهز الفرصة بانقطاع الأسباب وانبهام الأبواب ، والأمور التي لم تجر للمسلمين بالعدوتين

--> ( 1 ) الوهاد : جمع وهد - الفتح - وهو المكان الممهد المطمئن . والتنائف : جمع تنوفة - بفتح التاء وضم النون - وهي الأرض التي لا ماء فيها ولا إنسان . ( 2 ) في ب ، ه « على تكميل فرضاتكم » . ( 3 ) في ب « إلا جده » وجدّه : قطعه كجذّه . ( 4 ) جمع : تمرّد ، وركب هواه . والجموح : المتمرد والراكب هواه . ( 5 ) في ب ، ه « مطامح » وفي نسخة « مطالع » .